ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

نحو ذاتٍ سياسية جامعة في زمن ما بعد الحداثة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الجمعة 6 شباط 2026
الخط

تتمحور الأطروحة الأساسية لهذا النقد حول فكرة واحدة حاسمة: اليسار المعاصر يعيش أزمة تاريخية لا بسبب هزيمته السياسية فقط، بل بسبب فقدانه «الشكل». فبعد انهيار الاشتراكية الكلاسيكية، لم يُستبدَل هذا الشكل بذات سياسية جديدة قادرة على الفعل الاستراتيجي، بل حلّ محلّه تمجيدٌ للاختلاف، والتعبير، والرفض الأخلاقي المجرد، على حساب التنظيم، والوحدة، والقدرة على التأثير في مسار التاريخ.
ومن هنا، تأتي الحاجة إلى إعادة بناء ذات سياسية جامعة «لا تُلغي التعدد، بل تمنحه أفقاً كلياً ومعنى تاريخياً».

اليوم بات السؤال: مَن يملك القدرة على الفعل التاريخي، لا مَن يملك السلطة. وهو سؤال يفرض نفسه بإلحاح في زمن تتكاثر فيه الحركات الاحتجاجية، وتتنوّع أشكال المقاومة، لكن دون أن يترجم ذلك إلى تحوّل بنيوي في موازين القوة أو في شكل النظام العالمي. فالمفارقة الكبرى لعصرنا أن كثافة الاحتجاج لم تُنتج قوة سياسية مكافئة لها. والسبب، في جوهره، ليس نقص الشجاعة أو الالتزام، بل غياب الشكل.

لقد شكّلت الاشتراكية، على مدى قرن كامل، «شكلاً» لليسار العالمي: لغة مشتركة، تصوراً للتاريخ، أفقاً للعدالة، واستراتيجية للفعل. وحين انهار هذا الشكل – بفعل الهزائم التاريخية، وبفعل تناقضاته الداخلية – لم ينهَر اليسار سياسياً فقط، بل تفكّك رمزياً. وما تلا ذلك لم يكن ولادة ذات جديدة، بل انتشاراً لما يمكن تسميته سياسة بلا ذات: حركات بلا مركز، مطالب بلا أفق، مقاومات بلا مشروع جامع.

في هذا السياق، لعبت «ما بعد الحداثة»، بوصفها حساسية فكرية وثقافية، دوراً مزدوجاً. فهي كشفت أوهام الكلّية الزائفة، وفضحت العنف الكامن في السرديات الشمولية. لكنها، حوّلت نقد الكلية إلى رفض مبدئي لأي وحدة، وجعلت من الاختلاف غاية في ذاته، لا لحظة في مسار تحرري أشمل. وهكذا تحوّل اليسار، شيئاً فشيئاً، من قوة تسعى إلى تغيير العالم، إلى أرشيف للاحتجاجات الأخلاقية واللغوية.
لم تعد السياسة، في هذا الأفق، صراعاً على السلطة أو على شكل المجتمع، بل فعل تعبير: إعلان هوية، تفكيك خطاب، فضح بنية رمزية. والنتيجة أن الممارسة السياسية فقدت بُعدها الاستراتيجي، وصارت أقرب إلى طقس أخلاقي أو جمالي. فبدل السؤال «كيف ننتصر؟» أصبح السؤال «كيف نعبّر عن ذواتنا؟»؛ وبدل التنظيم، حلّت اللغة؛ وبدل الإرادة الجماعية، حلّ الاحتفاء بالاختلاف.

غير أن التاريخ لا يُدار بالأخلاق وحدها، ولا يُغيَّر باللغة فقط. فالسلطة، مهما بدت متشظية، تعمل دائماً من خلال مؤسسات، استراتيجيات وسرديات جامعة. واليسار الذي يرفض الشكل باسم التحرر، يجد نفسه أعزل أمام أشكال الهيمنة الأكثر صلابة وتنظيماً. هنا تكمن المفارقة: الخوف من الوحدة أنتج عجزاً بنيوياً عن المواجهة.

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الذات السياسية. لا بوصفها حزباً تقليدياً أو طليعة مغلقة، بل كـ«بنية جامعة» قادرة على ترجمة التعدد إلى قوة، والاختلاف إلى مشروع. وهذا ما يمكن تسميته، استعارةً، بـ«الأمير ما بعد الحداثي»: ليس فرداً، ولا حزباً، بل إرادة جماعية متشكّلة تاريخياً، تمتلك رؤية للعالم، وأفقاً أخلاقياً، وقدرة على الفعل المنظّم.

هذا الأمير لا يعيد إنتاج شموليات القرن العشرين، ولا يتجاهل دروس الفشل والاستبداد. لكنه يرفض في الوقت نفسه الاستسلام لسياسة التذرّر. إنه يسعى إلى وحدة غير قسرية، وحدة تُبنى عبر الترجمة المتبادلة بين النضالات: بين العدالة الاجتماعية، والتحرّر الجندري، ومناهضة العنصرية، والدفاع عن البيئة. وحدة لا تُلغي الخصوصيات، بل تمنحها معنى ضمن كليّة تحررية.

غير أن هذه الوحدة لا يمكن أن تكون تقنية أو تنظيمية فقط. فهي تحتاج إلى أساس أنطولوجي وأخلاقي. من هنا تنبع الدعوة إلى إنسانية جديدة، لا تُعرّف الإنسان من خلال العرق أو الأمّة أو الهوية الضيقة، بل من خلال القابلية للألم، والقدرة على التعاطف، والاستعداد لتحمّل مسؤولية العالم. إنسانية تعيد وصل السياسة بالأخلاق، لا كخطاب وعظي، بل كأساس لبناء إرادة جماعية كونية.

في زمن الأزمات الكوكبية، من الانهيار البيئي إلى التفكك الاجتماعي، لم يعد التشتت فضيلة. لقد أصبح عائقاً وجودياً. واليسار، إن أراد استعادة دوره التاريخي، مطالب بأن ينتقل من سياسة الرفض إلى سياسة البناء، ومن الاحتجاج إلى المشروع، ومن الاختلاف كغاية إلى الكلية كأفق.

ليس المطلوب العودة إلى أشباح الماضي، بل اختراع شكل جديد للفعل الجماعي: شكل يدرك تعقيد العالم، دون أن يستسلم له؛ ويحتضن التعدد، دون أن يغرق في العجز؛ ويجمع بين النقد والالتزام، بين الأخلاق والاستراتيجية. عندها فقط يمكن أن يولد «أمير» جديد، لا يحكم، بل يقود؛ لا يقمع، بل يوحّد؛ لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يصنع أفقاً مشتركاً للفعل.

غير أن أخطر ما في تفتّت الذات السياسية المعاصرة لا يكمن فقط في عجزها التنظيمي، بل في تحوّل علاقتها بالزمن. فالسياسة، حين تفقد الشكل، تفقد معها القدرة على التفكير التاريخي. يصبح الحاضر مكتفياً بذاته، مكتظاً بالانفعالات، لكنه فارغ من الامتداد. وهنا يتحوّل الفعل السياسي إلى ردّ فعل دائم، إلى استجابة آنية لأزمات متلاحقة، من دون قدرة على تحويل هذه الأزمات إلى مسار، أو إلى مشروع طويل النفس. إنّ اليسار، في صيغته ما بعد الحداثية، يعيش في زمن مُسطَّح: لا ماضٍ يُستعاد نقدياً، ولا مستقبل يُبنى تخييلياً، بل حاضر دائم الاشتعال، دائم الاستنزاف.

هذا الانحباس في الحاضر ليس بريئاً. فهو يتقاطع بعمق مع منطق الرأسمالية المتأخرة نفسها، التي تعمل على تفكيك الزمن إلى لحظات استهلاكية، وإفراغ المستقبل من أي وعد جماعي. وحين يختزل اليسار السياسة في التعبير والفضح، فإنه – من حيث لا يدري – يتكيّف مع هذا المنطق بدل أن يناقضه. فالاحتجاج الذي لا يُترجم إلى مشروع، يتحوّل إلى جزء من المشهد؛ والنقد الذي لا يُراكم، يصبح دورة لغوية مغلقة؛ والاختلاف الذي لا يبحث عن أفق مشترك، يُعاد تدويره كتنويع داخل النظام القائم.

من هنا، لا يمكن فهم الدعوة إلى «شكل» سياسي جديد بوصفها حنيناً إلى التنظيم الصلب أو إلى المركزية القديمة، بل كاستعادة للزمن التاريخي بوصفه مجالاً للفعل. فالشكل ليس قيداً على الحرية، بل شرطاً لإمكانها السياسي. وحده الشكل يتيح الاستمرارية، والتراكم، والتعلّم من الهزائم. وحده ما يمتلك شكلاً يستطيع أن يُخطئ ثم يُصحّح، أن يُهزم ثم يعيد بناء نفسه. أمّا الحركات المتشظية، مهما بلغت كثافتها الأخلاقية، فتبقى أسيرة لحظة الانفجار الأولى.

في هذا الإطار، يصبح استدعاء مفهوم «الأمير»، بالمعنى الغرامشي لا السلطوي، استدعاءً لمشكلة القيادة، لا بوصفها هيمنة، بل بوصفها تنظيماً للإرادة الجماعية. فالقيادة ليست نقيض الديموقراطية، بل نقيض الفوضى السياسية. واليسار الذي يخشى القيادة باسم مقاومة التسلّط، يترك فراغاً سرعان ما تملؤه قوى أكثر تنظيماً، وأكثر استعداداً لاستخدام العنف والمال والرمز. إنّ رفض القيادة لا يلغيها، بل يسلمها للخصم.

ثمّة بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو البعد النفسي–الأنثروبولوجي لهذا التفتّت. فسياسات الاختلاف الخالص تُحمّل الفرد عبئاً لا يُحتمل: أن يكون ذاتاً مكتفية، مكتملة، ومُعرِّفة لنفسها باستمرار. وفي غياب أفق جماعي، يتحوّل النضال إلى ساحة لإعادة إنتاج القلق، والاحتراق الذاتي، والشعور الدائم بعدم الكفاية. وهكذا تتقاطع الأزمة السياسية مع أزمة نفسية: أفراد مرهقون، حركات قصيرة النفس، ومشاريع تنطفئ قبل أن تنضج.

إنّ إعادة بناء ذات سياسية جامعة لا تعني صهر الأفراد في كيان مجرد، بل تحريرهم من العزلة السياسية. فالانتماء إلى مشروع كلي يمنح الفعل معنى يتجاوز الذات، ويعيد وصل الفرد بتاريخ أطول منه، وبمسؤولية أوسع من تجربته الشخصية. وهنا، يصبح الالتزام ليس قيداً، بل أفقاً للتحرر من الدوران في الذات.

لهذا، إن الرهان الحقيقي ليس على استعادة لغة كبرى جاهزة، ولا على فرض وحدة قسرية، بل على إنتاج خيال سياسي جديد: خيال قادر على تخيّل مستقبل مشترك، من دون إنكار التعدد؛ وعلى صياغة سردية تحررية، من دون الوقوع في الأسطرة؛ وعلى الجمع بين الأخلاق والاستراتيجية، من دون اختزال إحداهما في الأخرى. فالثورات لا تنتصر لأنها عادلة فقط، بل لأنها تعرف كيف تُنظّم عدالتها في الزمن.
في النهاية، السؤال ليس ما إذا كان اليسار بحاجة إلى شكل، بل أيّ شكل يمكنه أن يحمل تعقيد عصرنا من دون أن ينهار. والإجابة لا تُعطى نظرياً فقط، بل تُبنى عبر ممارسة واعية، طويلة النفس، تعترف بأن السياسة ليست لحظة صفاء أخلاقي، بل صراع على المعنى، وعلى الزمن، وعلى المستقبل نفسه.

* كاتب

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك